بعد صدور مرسوم الصوت الواحد انقسمت الكويت بين فريقين: فريق قرر مقاطعة الانتخابات (المقاطعين) وفريق قرر المشاركة بالانتخابات (سمى نفسه سأشارك). مع الوقت تبين ان فريق سأشارك هو فريق غالبيته موالين للسلطة موالاة كاملة وغريبة. الغريب في الأمر هو ان معظم هؤلاء ليسوا مستفدين مباشرة من السلطة كما انهم يعترفون بفساد السلطة فلماذا اذا هذه الموالاة؟ منذ بدأ الازمة السياسية بالكويت وأنا باستمرار انتقل من نقاش مع موالي الى نقاش آخر مع موالي آخر. في الآونة الأخيرة توقفت عن نقاشهم لأنني أدركت حقيقة لماذا يوالون السلطة والتي بسببها لن يتوقفوا عن موالاة السلطة مهما قلت. موالين السلطة هم بالحقيقة يوالون السلطة لأنهم يخشون من نتائج الديمقراطية أو لأكون دقيق أكثر، يخشون ممن سيكون بديل السلطة.
الموالين يجمعهم قاسم مشترك وهو الخوف من بديل السلطة ولكن البديل المخيف ليس واحد لدى جميع الموالين فالموالين أيضا ينقسمون الى مجموعات كل منها لديها البديل المخيف الخاص بها والذي يجعلها توالي السلطة. سأشرح لكم الآن من هم هذه المجموعات ومن هو البديل المخيف لكل منها وستعرفون لماذا هم يوالون السلطة.
المجموعة الأولى: الحضر السنة
نسبة البدو بتعداد الكويتين بلغت فوق ال 60% وبالآونة الأخيرة بدأت بعض القبائل تتمرد على السلطة بشكل مباشر وتنضم للمعارضة بكامل ثقلها. بعض السنة الحضر تكونت لديهم فوبيا من البدو. عقولهم صورت لهم ان البدو يشكلون تهديد لاسلوب حياتهم بالكويت وانه اذا زاد نفوذ البدو بالكويت فهذا معناه انهم سيضطهدون الحضر. هم يستشهدون بأمثلة حقيقية حدثت في أماكن معينة فيها انظلم أحد الحضر على يد مسؤول بدوي، طبعا هم يتناسون كل الأمثلة الحقيقية ايضا والتي فيها انظلم بدوي على يد مسؤول حضري! هذا الفريق يرى الآن ان رموز المعارضة الاقوياء نسبة كثيرة منهم بدو (مسلم البراك كمثال) ولذلك عقولهم ابتكرت سيناريو لهم ان هؤلاء المعارضين (البدو) اذا طبقت الديمقراطية سيستولون على الحكم لأن عددهم أكثر من الحضر وبالتالي سيحكمهم البدو ثم تبدأ الابادة الجماعية للحضر! فكر لا يعدوا كونه عنصري بغيض مبني على خيال قصير النظر.
المجموعة الثانية: الحضر الشيعة
بدأ الشق السياسي بين النواب الشيعة والسنة بعد حادثة تأبين عماد مغنية في خلال مجلس 2009 وظهرت بعدها بوادر الشق الطائفي ولكنها لم تكن بالحجم الكافي لاثارة مخاوف أحد. ولكن بعد اسقاط ناصر المحمد وانتخابات فبراير 2012 تشكلت كتلة الاغلبية المعارضة والتي حصلت على 37 مقعد بالرلمان مما أفقد الهيمنة الحكومية على مجلس الأمة لأول مرة بتاريخ المجلس. كتلة الأغلبية ضمت بصفوفها جميع النواب الاسلاميين السنة بما فيهم من كان له توجهات وتصريحات طائفية ضد الشيعة كمحمد هايف والطبطبائي. هذا الأمر بالطبع لم يتقبل بسهولة لدى معظم الحضر الشيعة وخصوصا ان كتلة الأغلبية لم تعمل الكافي لتطمئنهم بل على العكس بدأت باصدار قوانين تزيد التخوف مثل تعديل المادة الثانية وقانون اعدام مسيء الرسول صلى الله عليه وسلم. كما ان تصريحات بعض نواب الأغلبية كانت غير مسؤولة وبينت طائفية كامنة لديهم. لذلك جزئ كبير (وليس جميعهم) من الحضر الشيعة بالكويت كونوا لأنفسهم قناعة أنهم أمام خيارين لا ثالث لهما، اما السلطة بفسادها أو الأغلبية بطائفيتها وطبعا الخيار الطبيعي كان موالاة السلطة. المشكلة الآن انهم ربطوا الطائفية مباشرة بالديمقراطية لأنهم يرون أن “الطائفيين نجحوا بالديمقراطية، اذا الديمقراطية تنتج الطائفيين”. فتحول الخيارين بعقولهم من “اما السلطة بفسادها أو الأغلبية بطائفيتها” الى “اما السلطة بفسادها أو الديمقراطية بطائفيتها” !!! فتولد لديهم كراهية للديمقراطية نفسها. هذا يذكرني بما حدث بانتخابات مصر عندما توجه أقباط مصر جميعهم لانتخاب أحمد شفيق بدل من محمد مرسي للسبب ذاته انهم كونوا قناعة ان ليس أمامهم غير خيارين: يا نظام مبارك بفساده أو الأخوان بطائفيتهم، استبعدوا تماما احتمال ان الاخوان ممكن أن يحكمون بدون اضطهاد او ظلم للأقياط! وهاهم الأخوان الآن يحكمون بلا اضطهاد أو ظلم للأقباط بتاتا.
المجموعة الثالثة: الليبراليين
الليبراليين الكويتيين بانتخابات فبراير 2012 تلقوا ضربة موجعة من صناديق الاقتراع وفشل أكثر مرشحينهم فشل ذريع. ثم بعد ذلك وقفوا متفرجين من الخارج يشاهدون كتلة الأغلبية تصدر القانون الاسلامي تلو الآخر. أكثرهم اقتنع ان الخمس دوائر بأربع أصوات لن تنتج غير الاسلاميين لذلك عندما صدر مرسوم الصوت الواحد وجدوا فيه سبيل العودة للمجلس وكسر هيمنة الاسلاميين عليه. ولكن طبعا هناك مشكلة كيف يرضون بتغيير النظام الانتخابي من قبل السلطة التنفيذية وهم من ينادي بالديمقراطية وفصل السلطات؟ انقسم بعدها الليبراليين الى من اعلن مشاركته بالانتخابات ومن قرر المقاطعة. وأما من شارك منهم فقد أعلنوا صراحة انهم “يتعاونون” مع السلطة لأنها أوقفت تغيير المادة الثانية. وأما من قاطع ففعل ذلك لحفظ ماء وجهه فقط وهم يتمنون ليل نهار ان يصدر حكم الدستورية بتحصين المرسوم ليشاركوا بكل ما أوتوا من قوة بالانتخابات القادمة.
هذا هو فريق سأشارك…. فهم سيكلوجيتهم سيجعلك تدرك لماذا أغلبهم يرفع شعارات مثل “شعب الكويت غير جاهز للديمقراطية” ، “السمع والطاعة لولي الأمر”، “بديل السلطة هو الفوضى” وغيرها الكثير من الشعارات المنافقة الكاذبة. هل ادركتم الآن لماذا توقفت عن مناقشتهم؟ هؤلاء لا يحتاجون الى نقاش مع سياسي بل يحتاجون الى نقاش مع طبيب نفسي. الشيء الجيد فيهم انه ليس بيدهم غير التحلطم على تويتر فقط لذلك لا ضرر يذكر منهم. اذا بما أنه لا يمكن تغيير قناعتهم (الا بطبيب نفسي) وليس هناك أي ضرر يذكر قد يأتي منهم، فاننا كمعارضة علينا عدم تضييع الوقت بنقاشات عقيمة معهم وتركيز حهودنا على السلطة وحليفها أصحاب رؤوس الأموال.